مذكرات الشيخ الحسن بن علي الكتاني: الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
أما بعد، فهذه مذكراتي قررت كتابتها كي أستفيد منها ويستفيد منها غيري، وأستذكر بها ماضيَّ وما من الله به علي، وأصلح أخطائي وأقوم أموري، كما أن فيها تثبيتا لقلوب الصالحين والعاملين لهذا الدين، قال تعالى: (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ)، وقال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ).
وهذا أوان الشروع في المقصود، والله المستعان المعبود.
فصل في أصل آل بيتي وتقلب الزمان بهم
الكتانيون فرع عن الأدارسة الحسنيين الهاشميين القرشيين، ونسبتهم إلى الأمير يحيى بن عمران بن عبد الجليل بن يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليهم. وقد عدهم النسابة الشيخ عبد السلام بن الطيب القادري في الطبقة الأولى من الأشراف ضمن كتابه "الدر السني فيمن بفاس من ذوي النسب الحسني".
وسبب تسميتهم بالكتاني، أن جدهم أمير الناس يحيى الكتاني آنف الذكر، كان قد خيم لجيشه بخيام الكتان، حينما كان أميراً بزواوة، وكانت العادة أنه لا يخيم إلا بخيام الصوف أو الشعَر، فأطلق عليه ذلك اللقب وعلى بنيه من بعده . وكانوا يسمون في الماضي بأمراء الناس نسبة لجدهم المذكور آنفاً، وبالزواويين ؛ نسبة لزواوة التي استوطنوها فترة من الزمان، وبشرفاء عقبة ابن صوال ؛ نسبة للمحل الذي استوطنوه أولاً عند رجوعهم لفاس في القرن العاشر الهجري، وإلى ذلك نسبهم القاضي أبو عبد الله محمد الطالب بن الحاج السلمي، رحمه الله في كتابه عنهم "نظم الدر واللآل في شرفاء عقبة ابن صوال".
وقد اتفق علماء النسب على تواتر نسبهم ولم ينكر ذلك أحد، وقد نص على ذلك نسابو المغرب قاطبة، قال العلامة عبد السلام بن الطيب القادري في "الدر السني فيمن بفاس من ذوي النسب الحسني" (ص 38): "هم من شعب الأدارسة الذين آثارهم واضحة غير دارسة، نسبهم أوصل نسب، وسببهم أوثق سبب". وقد عدهم في الطبقة الأولى من الأشراف؛ فقال في: "هم من شعب الأدارسة الذين آثارهم واضحة غير دارسة، نسبهم أوصل نسب، وسببهم أوثق سبب".
ولما ذكر القاضي ابن الحاج، رحمه الله، هذه النقول وغيرها علق عليها في كتابه "نظم الدر واللآل" (ص 69): " وما ذاك إلا لما ثبت عندهم من دليل التواتر على نسبتهم الطاهرة، وأبصروه من أنوار النبوءة في غرتهم الباهرة، مع ما شاهدوا لهم من خصوص المحافظة على نسبهم، وعموم الغيرة عليهم في عموم إقامتهم ورحلتهم، كما هو الواجب في حق الصرحاء من آل البيت الكريم، بما تزيد الشهادة به استفاضة عند الظاعن والمقيم".
وقد عرف الكتانيون بالحرص الشديد على نسبهم، وقد حازوا أكثر من ثلاثين رسماً تثبت نسبهم منذ الزمن المريني إلى الآن، ضمن جلها الشيخ جعفر بن إدريس الكتاني (1323 هـ) في كتابه "الرياض الريانية في الشعبة الكتانية". وقد حافظوا عليها جيلاً بعد جيل، فمن أبي المواهب جعفر الكتاني انتقلت لنجله أبي عبد الله محمد بن جعفر الكتاني، ومنه لأخيه أبي العباس أحمد بن جعفر الكتاني، ومنه لأبي الإسعاد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني إلى المعاصرين، ومن أجلهم والدي أبو الحسن علي بن المنتصر الكتاني، رحمهم الله أجمعين.
كما أن نسابي المغرب ذكروهم ونوهوا بتواتر نسبهم وصلاحهم وفضلهم، وذكر الإمام جعفر بن إدريس الكتاني في آخر "الرياض الريانية" عددا منهم وترجم لهم تراجم مختصرة.
فصل في تنقلات آل بيتنا عبر البلدان
اعلم، رحمك الله، أن سبب انتقال سلفنا من الحجاز، موطن قريش وبني هاشم، هو مشاركة الإمام إدريس بن عبد الله بن الحسن في ثورة ابن عمه الحسين الفخي ضد بني العباس. وهو أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي، الذي ثار في موقعة فخ قرب مكة سنة 169 هـ. وكان مع الحسين هذا من بني عمومته إدريس وسليمان ويحيى أبناء عبد الله الكامل ساندا وشاركا في الثورة والحرب ونجوا من المعركة، وشارك معهم سليمان بن عبد الله الرضا وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا واستشهدا .
بعد أن فشلت الثورة وقتل الحسين وكل من معه في معركة فخ، أمر والي المدينة العباسي بالهجوم على دار الحسين و بيوت أهله وكل من ناصره، فهدّم المنازل وأحرق المزارع، و نهب الأموال، كما أجبر الأهالي على التبري من آل أبي طالب ومهاجمتهم و النيل منهم، فهرب يحيى إلى الديلم، بينما قرر إدريس الهرب باحثا عن مكان آمن بعيد عن العباسيين، فذهب إلى مدينة ينبع متنكرا ومنها إلى أيلة، ثم إلى مصر ومنها إلى برقة فطرابلس ومنها إلى القيروان ثم تلمسان، فدخل إلى المغرب رفقة خادمه راشد المغربي ، فاستقر بمدينة طنجة، وبدأ يدعو القبائل المغربية لنصرته، قبل أن يدخل مدينة وليلي سنة...
