أسس النظام السياسي في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
أسس النظام السياسي في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المرسلين، وآله العترة الطيبين الطاهرين.
أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى لما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالكتاب الهادي والحديد الناصر، أمره بإنشاء نظام إسلامي كامل، فكان نتيجة ذلك الدولة الإسلامية التي بدأت من المدينة المنورة وانتشر نورها في ربوع الجزيرة العربية ثم بقية العالم.
وأخذ الراية بعده الخلفاء الراشدون المهديون، ثم تتابعت دول إثر دول تحكم المسلمين، فكان من خلفائها العادل، ومنهم من كان إمام جور وظلم، وتفرقت الدولة إلى دول عديدة وانحرف الناس عن الصراط المستقيم.
ثم إن المصيبة اكتملت بسقوط آخر خلافة إسلامية واحتلال أعداء الإسلام لديار المسلمين وتقسيمها إلى دويلات متناحرة معطلة للحكم بالإسلام، بل ومحاربة لكل من طالب بالرجوع إليه، وزاد الطين بلة ظهور علماء سوء وكتاب باطل ينكرون وجود نظام سياسي في الإسلام، ومنهم علي عبد الرازق، الفقيه الأزهري العاق، الذي كتب رسالته "الإسلام ونظام الحكم" الذي نفى فيه وجود نظام إسلامي، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان رجل دين ولم يكن رجل سياسة.
وقد انبرى للرد على ذلك جماعة من علماء المسلمين مثل مصطفى صبري، آخر شيخ إسلام بالدولة العثمانية، وعبد الحي الكتاني الحافظ المحدث، ومحمد الخضر حسين شيخ الأزهر، وغيرهم رحمهم الله تعالى.
وظهرت الحركة الإسلامية المعاصرة التي جعلت إقامة النظام الإسلامي أساس نشأتها فكتب علماؤها ومفكروها كتبا كثيرة تبين أسس النظام السياسي في الإسلام.
وسنحاول في هذا العرض أن نختصر تلك الأسس، والله الموفق.
فنقول: إن من طبيعة الإسلام أنه جاء لكل زمان ومكان، لذلك فإنه لم يفصل في دقائق النظام الإسلامي، بل أعطى خطوطا عريضة، وترك المسلمين لينزلوها على واقعهم، وقد فعل ذلك المسلمون، غير أن النقص الذي اعتراهم هو أنهم تركوا الأمر للتجارب وحال كل حاكم، ولم يخضعوه لنظام مؤسسي ثابت، فكانت النتيجة هي أن ما يصلحه حاكم عادل تفسده نزوة آخر أخرق.
ولعل العذر لهم في ذلك الزمان هو عدم سيادة ثقافة المؤسسات، أما اليوم فنحن أحوج ما نكون لنظام مؤسسي يأخذ بعين الاعتبار ما سنذكره من أصول، وينظمها في مؤسسات حتى لا تضيع الجهود بنزوة حاكم أو تهور زعيم.
۱. الحكم لله تعالى:
و هذه أول قاعدة وأعظمها في النظام الإسلامي، ومعنى ذلك أننا نتحاكم للكتاب والسنة بالقواعد والأصول المقررة في علم "أصول الفقه"، فنستنبط ونستمد من الفقه الإسلامي الرحب باجتهاداته الثرية، وأقواله الغنية، ما ينفع زماننا. قال تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون).(النور: ٥۱). وقال سبحانه: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون). (الاعراف: ۳).
وقد أبدى القٍرآن وأعاد في تقرير هذه القاعدة وتحطيم الطواغيت الحاكمة والمشرعة من دون الله تعالى، حتى يكون الجميع عبيدا لواحد أحد، وهذا هو معنى الإسلام: الاستسلام لله، والخضوع له بالطاعة، والخلوص من الشرك.
ولذا كان التمرد على الله بتعطيل شريعته واستبدال غيرها بها من المروق من الدين والكفر برب العالمين، فقد قال تعالى: (و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). (المائدة: ٤٤) وقال سبحانه: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم). (يوسف: ٤۰).
وبناء على ذلك كان التحاكم لغير شرع الله طواعية مع الرضا به كفرا مخرجا من الملة، فقد قال سبحانه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).(النساء: ٦٥)، وقال سبحانه: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا). (النساء: ٦۰).
وبهذا يتبين لنا أن أول قواعد النظام السياسي اسلامي أن تكون أحكامه مستمدة من الفقه الإسلامي بجميع أبوابه لأن الخلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي سياسة الدنيا بالدين.
۲. العدل والمساواة:
فالناس في الإسلام سواء كلهم تحت حكم الشريعة الاسلامية لا يتميز أحد عن أحد في ذلك.
وقد قال تعالى مقررا هذه القاعدة: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). (الحجرات: ۱۳)، وقال سبحانه: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثرا ونساء).(النساء: ۱).
و قرر هذا الأصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة منها ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر خطبة له: "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم". رواه البيهقي وغيره.
و لقد سادت نظرة الإسلام إلى الناس التي تقوم على المساواة، في المجتمع الإسلامي، بين الصحابة، رضي الله عنهم، وأصبحت حقيقة منفردة في نفوسهم مطبقة في واقع حياتهم.
فكان الخليفة يتولى فيقرر كما قرر أبو بكر رضي الله عنه: "وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن صدفت فأقيموني، القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه. والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه". (الأموال (۱۱) لأبي عبيد).
و قد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم العدل، حتى إنه كان يقتص من نفسه قبل غيره، وكذلك كان يفعل الخلفاء الراشدون من بعده، رضي الله عنهم، وقد قال عمر رضي الله عنه لولاته: "إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبناءكم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكن استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم.
فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي ليرفعها إلي حتى أقتص منه. "
فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين أرأيت إن أدب أمير رجلا من رعيته أتقتص منه؟ فقال عمر: ومالي لا أقتص منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه؟ (طبقات ابن سعد) (۳/ ۲۸۱).
و لذلك كان الظلم من أشنع الأمور، وأسرعها تدميرا للأمة والمجتمع.
قال تعالى: (و لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) (إبراهيم: ٤۲) وقال سبحانه: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) (النمل: ٥۲).
و جاء في "الصحيح" في الحديث القدسي: "يقول الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".
و جعل الله تعالى الإمام العادل أحد السبعة الذي سظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، كما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.
و بعد هذا كله، فقد ترك الإسلام للناس الباب مفتوحا في كيفية تطبيق هذه القاعدة بما يكفل العدل والحق لكل صاحب حق فلم يعط شكلا معينا للمحكمة وطريقة إصدار الأحكام، لأن ذلك أمر يختلف من زمان لآخر ومن مكان لغيره.
واجتهادات الناس كذلك تتغير وتتطور، ولكن المهم أن يقام العدل ويطبق في كل مناحي الدولة الإسلامية حتى مع غير المسلمين كما حدث مع عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرص الثمار على يهود خيبر فأرادوا رشوته فقال: "أترشونني؟ والله إنكم لأبغض إلي من القردة والخنازير، ولمحمد صلى الله عليه وسلم أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، ولكن بغضي لكم وحبي لمحمد صلى الله عليه وسلم لا يمنعني أن أعدل لأن الله تعالى يقول: (و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، فقالوا: بهذا قامت السنوات والأرض.
والحديث في "الصحيح".
۳. الطاعة بالمعروف:
الطاعة دعامة من دعائم الحكم في الإسلام وقاعدة من قواعد نظامه السياسي، وإن المرء لا يكاد يتصور وجود نظام سليم ودولة قوية منفردة دون أن يكون هناك عدل من الحكام وو طاعة من المحكومين لهم، وشورى بين الجميع.
و كما جاء في حديث الحارث الأشعري الذي رواه أحمد والترمذي وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "و أنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم".
و قال عمر رضي الله عنه: (لا إسلام بلا جماعة ولا جماعة بلا أمير ولا أمير بلا طاعة). فالإسلام ليس دينا فرديا، بل هو دين جماعي لا يتحقق إلا من خلال جماعة، ومن هنا نجد خطاب الشارع غالبا موجها إلى الجماعة، كقوله تعالى: قاتلوا، جاهدوا، فاجلدوا، فاقطعوا، مع أن المباشر لذلك قد يكون واحدا، لكنه لم يفعل ذلك إلا بقوة الجماعة.
و الجماعة لا وزن لها إذا عاشت أفرادا لا يربطهم نظام ولا يجمعهم أمير ينظم أمرهم وهذا الأمير مهما كان صالحا حسن الصفات فلا وزن لذلك كله إذا خذلته الجماعة وتمردت عليه.
بل لابد أن تدعمه الجماعة فتنفذ أمره وتكف عما نهى عنه.
و لذلك جاءت العديد من النصوص الشرعية تأمر بطاعة الأمراء. مثل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء: ٥۹).
و عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة". رواه البخاري.
و جاء في "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني".
إلا أن طاعة الأمير مقيدة بأن تكون ضمن طاعة الله تعالى. فقد روى الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال: فيما أخذ علينا: أن بايعنا عن السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا.
وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان.
و قال صلى الله عليه وسلم: "إنما الطاعة في المعروف"، كما في البخاري.
و هذه القاعدة استغلها الكثير من الحكام الظلمة، بل والمعطلون لشرع الله والمحاربون له لتعبيد الرعية لأهوائهم ونزواتهم، وزين لهم علماء السوء فعلهم، مع أنهم تغافلوا عن
شرط الطاعة وأنها للحاكم المسلم المتبع لشريعة القرآن، لا في المعطل لها، أو الظالم الطاغي وإن كان يزعم اتباعها.
و آخرون من المسلمين لا يسمعون ولا يطيعون إلا لمن كان على هواهم، فإذا جاء الأمير بأمر ينكرونه وله فيه وجه أو اجتهاد، أو فعل أمرا اضطر إليه شنعوا عليه ولم يحسنوا به الظن.
وقد روى البخاريعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى اله عليه وسلم قال: "من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية".
و مصداق ذلك قول الله تعالى: (و لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). (الأنفال: ٤٦).
٤. الشورى:
للشورى أهمية كبرى في تنظيم بشري أو جماعة من الجماعات، وترتكز عليه كل دولة راقية تنشد لرعاياها الأمن والاستقرار والنجاح، وذلك لأنها الطريق السليم الذي يتوصل بها إلى أجود الآراء والحلول لتحقيق مصالح الأفراد والجماعات والدول.
فلا غرو إذن أن نرى الإسلام قد اهتم بهذا المبدأ فسمى به سورة في القرآن الكريم وكان من ضمن ما امتدح به الصالحين وجماعة المسلمين الصادقين: (و الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون).(الشورى: ۳۷).
و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عصمته وتأييده بالوحي كثير الاستشارة لأصحابه، فكيف بمن بعده من الحكام؟
وقد سار على منواله الخلفاء الراشدون، فقد تشاوروا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السقيفة فاختاروا أبا بكر رضي الله عنه، ثم استمر الأمر على ذلك فقد قال عمر رضي الله عنه: "لا خير في أمر أبرم من غير شورى".
وقال علي رضي الله عنه: "في المشورة سبع خصال: استنباط الصواب، واكتساب الرأي، والتحصن من السقطة، وحرز من الملامة، ونجاة من الندامة، وألفة القلوب، واتباع الأثر".
ولذلك ذهب المحققون من أهل العلم إلى وجوب المشاورة من الإمام لذوي الشأن قبل إبرام الأمر، حتى إن ابن عطية الأندلسي قرر في تفسيره أن الحاكم الذي يستبد ولا يستشير أمته من حقها أن تعزله عن عمله.
وتبقى هذه الأصول التي ذكرناها قواعد عامة تحتاج لشكل جديد في تنزيلها على شكل مؤسسات لا تتغير بتغير الحاكم، لأن الإسلام لم ينظم ذلك بل تركه لاجتهادات الناس واختلاف أزمنتهم.
وإن الناظر في الدول الغربية وكيف استطاعت أن تدبر اختلافاتها في نظام مستقر يتداولون السلطة ويتنافسون في إبداء البرامج التي تصلح حياة الناس ويمنعون الحاكم من الاستبداد ليدرك أننا أولى منهم بذلك وأن الاستفادة منهم وضبطها بالإسلام مما لا حرج فيه فإن (الحكمة ضالة المسلم أنى وجدها فهو أولى الناس بها)، فقد استفاد عمر رضي الله عنه من النظام الدواوين الفارسي بل قبله استفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفر الخندق والمنجنيق وهي وسائل كانت عند الفرس.
ولعل في هذا كفاية والحمد لله وصلى الله على رسول الله.
