موقف المسلمين من الأوبئة وأحكام العدوى في الشريعة الإسلامية
# موقف المسلمين من الأوبئة
الحسن بن علي الكتاني
بسم الله الرحمن الرحيم[cite: 8]
وعن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى ولا طِيَرة، ولا هامَةَ ولا صفر، وفِرَّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد))[cite: 8]. رواه البخاري في صحيحه رقم (5707)[cite: 8].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عدوى))، فقام أعرابي فقال: أرأيتَ الإبل، تكون في الرمال أمثال الظِّباء، فيأتيها البعير الأجرب فتجرب؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فمَن أعدى الأول؟))[cite: 8]. رواه البخاري في صحيحه رقم (5773)، ورواه مسلم في صحيحه رقم (2220)[cite: 8].
وبون شاسع بين "لا عدوى"، وبين "لا وجود للعدوى"، وفرق شاسع بين "لا عدوى"، وبين "لا يوجد أي تأثير للعدوى"[cite: 8]؛ فالجملة الأولى: خبر (لا) محذوف؛ لفهمه من سياق الكلام، والتقدير - على الراجح -: مؤثِّرة بطبعها، أو تضر بذاتها، أو تنتقل بذاتها[cite: 8]؛ أي: لا عدوى مؤثرة بطبعها، أو لا عدوى تضر بذاتها، أو لا عدوى تنتقل بذاتها، بل لا بد من توافر الأسباب، وفوق ذلك إرادةُ الله، أما الجملة الثانية فخبر (لا) موجود، وهو لفظ "موجودة"[cite: 8].
فقوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى" يعني: على ما كان يعتقده أهلُ الجاهلية، أما أن العدوى تحصل بإذن الله، فهذا أمر واقع[cite: 8]؛ ولهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن مخالطة المجذوم، ونهى صلى الله عليه وسلم عن القدوم على الأرض الموبوءة، ونهى مَن كان في أرض فيها وباء أن يخرج منها، ومن كان خارجها لا يدخل فيها[cite: 8]؛ لأن هذه أسباب لانتشار المرض، والامتناع عنها أخذٌ بالأسباب الواقية، والإقدام عليها إلقاء إلى التهلكة، والله نهى عن ذلك، إلا من قوِي إيمانُه وتوكلُه على الله تعالى[cite: 8]؛ فهذا قد يقدم على الوباء ويخالط المرضى ولا يصاب؛ لأنه متوكل على الله سبحانه وتعالى، لكن هذا لا يكون إلا لأهل الإيمان القوي، أما أهل الإيمان الضعيف فهؤلاء يبتعدون عن هذه المواطن؛ لئلا يصابوا، ثم تسوء عقيدتهم[cite: 8].
قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد))، وقد كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا قد بايعناك؛ فارجع))، رواه مسلم في صحيحه رقم (2231)[cite: 8]. مما يدل على مشروعية اجتناب مريض الجذام كيلا تنتقل العدوى منه إلى غيره[cite: 8]؛ أي إن مخالطةَ هذا المريض من الأسباب التي أجرى الله - سبحانه وتعالى - العادة بأنها تفضي إلى المرض، لا استقلالاً بطبعها، مما يدل على أن للعدوى تأثيرًا، لكن تأثيرها ليس أمرًا لازمًا بحيث تكون علة فاعلة[cite: 8].
والإنسان مأمور باتقاء الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر ألا يلقي نفسه في الماء، وفي النار، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم[cite: 8]؛ فإن هذه من أسباب المرض[cite: 8]؛ أي: إن اجتناب المريض بمرض مُعْدٍ من باب تجنُّبِ الأسباب التي تكون سببًا للبلاء، لا من باب تأثير الأسباب بنفسها؛ فالأسباب لا تؤثر بنفسها[cite: 8].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عدوى))، فقام أعرابي فقال: أرأيت الإبل، تكون في الرمال أمثال الظباء، فيأتيها البعير الأجرب فتجرب؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فمن أعدى الأول؟!))[cite: 8]. رواه البخاري في صحيحه رقم (5773)، ورواه مسلم في صحيحه رقم (2220)[cite: 8].
عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يورد ممرض على مصح)) رواه مسلم في صحيحه رقم (2221)[cite: 8]؛ أي: لا يورد صاحب الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة؛ لئلا تنتقل العدوى[cite: 8].
عن عبدالله بن عامر: أن عمر خرج إلى الشأم، فلما كان بسرغ، بلغه أن الوباء - أي الطاعون - قد وقع بالشأم، فأخبره عبدالرحمن بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سمعتم به بأرض، فلا تَقدَموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه))[cite: 8]. رواه البخاري في صحيحه رقم (5730)[cite: 8].
---
## طاعون عمواس
ذكر ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ (وَهِيَ قَرْيَةٌ بِوَادِي تَبُوكَ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ) لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ[cite: 8]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي الْأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ[cite: 8]. (فَإِنِّي مَاضٍ لِمَا أَرَى فَانْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَامْضُوا لَهُ، قَالَ: فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى؟ (وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ -مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ-: أَمِنَ الْمَوْتِ نَفِرُّ، إِنَّمَا نَحْنُ بِقَدَرٍ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا) فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، (وَفِي رِوَايَةٍ: إِنْ تَقَدَّمْنَا فَبِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ تَأَخَّرْنَا فَبِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى) (وَالْمُرَادُ: أَنَّ قُدُومَ الْمَرْءِ عَلَى مَا يُهْلِكُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَوْ فَعَلَ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَجَنُّبُهُ مَا يُؤْذِيهِ مَشْرُوعٌ، وَقَدْ يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعَالَى وُقُوعَهُ فِيمَا فَرَّ مِنْهُ، فَلَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُمَا مَقَامَانِ: مَقَامُ التَّوَكُّلِ وَمَقَامُ التَّمَسُّكِ بِالْأَسْبَابِ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ[cite: 8]. أخرجه البخاري، كتاب الطب، رقم: (5397)[cite: 8].
عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرني أنه: عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحدٍ يقعُ الطاعونُ فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد، رواه البخاري[cite: 8]. أخرجه البخاري، رقم: (5402)[cite: 8].
---
## الواجب علينا تجاه الحدث
أن نتوكل على الله حقَّ التوكل، ونؤكد إيماننا بالقضاء والقدر، قال تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} سورة التوبة الآية 51[cite: 8]، وإن المسلم لا يعلم ما قدَّره اللهُ عزَّ وجلَّ إلا بعد وقوعه، فالقدرُ من الأمور الغيبية، والمسلمُ مأمورٌ أن يأخذ بالأسباب، والأخذُ بالأسباب لا ينافي القدر، بل هو من قدر الله عز وجل، فمن تمام التوكل على الله عزَّ وجلَّ في مواجهة “فيروس كورونا” الأخذ بأسباب الوقاية[cite: 8].
ولو قدَّر الله عزَّ وجلَّ على أحد الموت “بفيروس كورونا” بعد أخذه بالأسباب، فأجرهُ عظيمٌ عند الله عز وجل، فعن عائشة رضي الله عنها أنَّهَا سَأَلَتْ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فأخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (أنَّه كانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ علَى مَن يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فليسَ مِن عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ في بَلَدِهِ صَابِرًا، يَعْلَمُ أنَّه لَنْ يُصِيبَهُ إلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ له، إلَّا كانَ له مِثْلُ أجْرِ الشَّهِيدِ) رواه البخاري[cite: 8].
ومعنى قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (يعلَمُ أنَّه لا يُصيبُه إلَّا ما كتَب اللهُ له)، أي: يظَلُّ داخِلَ البلدِ الَّذي وقَع فيه الطَّاعونُ، ولا يخرُجُ منه؛ ظنًّا منه أنَّ خروجَه يُنجيه مِن قَدَرِ اللهِ المكتوبِ عليه، إلَّا كان له مِثلُ أجرِ شهيدٍ[cite: 8].
وعن عمرو بن الشريد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تُديمُوا النظرَ إلى المجذومين)[cite: 8]. رواه ابن ماجه وسنده حسن[cite: 8].
وروى مسلم في صحيحه عن الشَّرِيد بن سُوَيْدٍ الثَّقَفِيُّ أنَّه (كانَ في وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فأرْسَلَ إلَيْهِ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إنَّا قدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ)[cite: 8].
يجب التحذيرُ من الهلع من “فيروس كورونا” والمبالغة في الخوف منه، وكذا يجب التحذيرُ من التساهل في أمره بحيث يؤدي إلى عدم الأخذ بأسباب الوقاية منه، وفي ذات الوقت يجب التحذيرُ من نشر الشائعات والأخبار غير الصحيحة، خاصةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي[cite: 8].
ونشر الشائعات هو دأبُ المنافقين كما أخبرنا الله عز وجل: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} سورة النساء الآية 83[cite: 8]، ونشرُ الإشاعات الكاذبة من جملة الكذب، وهو محرمٌ شرعاً، بل كبيرةٌ من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} سورة التوبة 119[cite: 8].
