رمضان شهر الجهاد والتضحيات
# رمضان شهر الجهاد والتضحيات
للحسن بن علي الكتاني
---
## مقدمة: تصحيح المفاهيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد:[cite: 2]
فإن شهر رمضان ارتبط عند بعض العوام من المسلمين بالكسل والنوم، حتى إن أحدهم ليقضي سحابة يومه نائماً كسلان، بلا عمل ولا بذل، فإذا جاء الليل مزّقه في اللعب والفكاهة، وقد أيّد هذه الأفكار الفاسدة الإعلام المفروض في جل بلاد المسلمين[cite: 2].
أما أهل العلم والإيمان، فإنهم يعلمون أن شهر رمضان ارتبط تاريخياً وشرعياً بالتضحيات الكبيرة، والجهاد في سبيل الله تعالى، والفتوحات العظيمة[cite: 2].
---
## محطات تاريخية: فتوحات وانتصارات رمضانية
لقد شهد شهر رمضان المبارك وقائع فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية، من أبرزها:[cite: 2]
* غزوة بدر الكبرى (يوم الفرقان):
وقعت لتسع عشرة ليلة مضت من رمضان، حيث التقى المسلمون وهم قلة (بضع عشرة وثلاثمائة) بجيش المشركين الذي ناهز الألف، ففرق الله بين الحق والباطل ونصر أولياءه[cite: 2]. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[cite: 2].
* فتح مكة (السنة الثامنة للهجرة):
الفتح المبين الذي طُهّرت فيه الكعبة، ودُحرت الأوثان، وعلا فيه شأن التوحيد والإيمان[cite: 2].
* معركة عين جالوت (25 رمضان 658هـ):
المعركة الفاصلة التي قادها الملك المظفر قطز، وكسر فيها شوكة جحافل المغول وأخزاهم الله بعد أن عاثوا في الأرض فساداً[cite: 2].
* موقعة شقحب (رمضان 702هـ):
الموقعة الشهيرة ضد التتار، والتي شارك فيها شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث حرّض السلطان والمسلمين على القتال وبشّرهم بالنصر، وأفتى الناس بالفطر ليتقووا على منازلة العدو وأفطر معهم[cite: 2].
---
## العلاقة بين الصيام والجهاد
إن شهر رمضان هو ميدان التقرب إلى الله بأعظم القربات، ومن أجلّها الجهاد في سبيل الله والرباط[cite: 2]. ويظهر التلازم جلياً في كتاب الله؛ إذ تنتهي آيات الصيام في سورة البقرة ليبدأ بعدها الحث المباشر على القتال في سبيل الله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا...﴾[cite: 2].
فالصيام ليس انكساراً وقعوداً، بل هو إعداد حقيقي للنفس، والجسد، وللأمة بأسرها[cite: 2].
---
## مراتب الجهاد وأدلته
بيّن أهل العلم أن الجهاد بمفهومه الشامل لا يقتصر على نوع واحد:[cite: 2]
* قال الإمام ابن القيم: «والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع»[cite: 2].
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة، فيجب بغاية ما يمكن»، مصداقاً للحديث النبوي: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»[cite: 2].
وقد تكفّل الله تعالى للمجاهد بالفضل والدرجات العلى، ووصف هذا البذل بالتجارة الرابحة في سورة الصف[cite: 2].
---
## واقع الأمة: فلسطين ومسؤولية النصرة
إذا كان الجهاد بتلك المنزلة، فكيف إذا كان دفاعاً عن المقدسات وفكاكاً للأسرى؟[cite: 2]
* الدفاع عن المسجد الأقصى: يتعرض الأقصى لخطر التقسيم الزماني والمكاني ومحاولات التهويد والهدم وبناء الهيكل المزعوم[cite: 2].
* فكاك الأسرى: واجب شرعي وأخلاقي لرفع الظلم عن المستضعفين القابعين في سجون الاحتلال[cite: 2].
* عالمية القضية: المسجد الأقصى والمقدسات ليست شأناً محلياً لأهل فلسطين وغزة فحسب، بل هي أمانة في أعناق ملياري مسلم[cite: 2].
لقد أعادت الأحداث الأخيرة القضية إلى مسارها العقدي الصحيح بعد عقود من تقزيمها ضمن شعارات قومية أو حدود إقليمية ضيقة[cite: 2].
---
## خاتمة واستنهاض
إن زوال علو الاحتلال سنة إلهية حتمية، وما هم فيه مرهون بـ ﴿حَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾[cite: 2]؛ وحبل الناس من الأعوان والداعمين آخذٌ في التآكل والانكشاف[cite: 2].
فرمضان فرصة عظيمة لشحذ الهمم، وتكثيف الدعم والمناصرة بالمال واللسان والدعاء، كلٌ بحسب استطاعته، نصرةً للمرابطين وقياماً بحق الأمة ومقدساتها[cite: 2].
نسأل الله تعالى أن يكلل جهاد إخواننا بالنصر والتمكين، وأن يمنّ علينا بصلاة في المسجد الأقصى وهو ينعم بالعزة والكرامة[cite: 2].
