الدعوة
دعوة أهل السنة والجماعة في المغرب الأقصى
نُشر في:30 نونبر 2025
وقت القراءة:14 دقائق تقريباً

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
دخل الاسلام للمغرب مع الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فقد كانت بدايات الفتح الاسلامي لبلاد المغرب زمن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، ثم اكمل الفتح في عهد الامويين.
وقد كان الجميع في هذه الحقلة على منهج الصحابة، رضي الله عنهم، وهي عقيدة اهل السنة والجماعة.
لكن مع توالي ظلم بني امية لأهل المغرب تحول الكثير من البربر الى المذهب الخارجي بفروعه المختلفة من صفرية وأزارقة واباضية. حتى استطاعوا ان يكونوا دولا لهم، مثل بني رستم في المغرب الاوسط وبني مدرار في سجلماسة.
ولما قدم الامام ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي رحمه الله من الحجاز للمغرب واكرمه البربر وحكموه عليهم، وجد المغرب يعج بالبدع فحمل الناس على السنة التي تلقاها عن ابائه من ائمة آل البيت الكرام. وقد كان الامام ادريس من الزيدية المتقدمين الذين يرون السيف على ولاة الجور ولا يخالفون اهل السنة في اعتقادهم.
ثم لما حكم ولده الامام ادريس الازهر استوزر بعض تلاميذ الامام مالك وقدم عليه اهل الاندلس والقيروان، وبذلك انتشر مذهب اهل المدينة (المالكي) في المغرب الاقصى.
ثم إن الحكم الادريسي انهار على يد العبيديين الرافضة وضعف الحكم المركزي في البلاد وسيطرت دولة برغواطة على الساحل الغربي الشمالي للمغرب، وهي دولة تتبع دينا اخترعه رجل مرتد عن الاسلام ادعى النبوة، وكتب لهم قرآنا بلسان البربر، ولم يقض على هذه الطائفة المارقة ويوحد المغاربة على السنة الا المرابطون الذين رباهم الامام عبد الله بن ياسين الجزولي، رحمه الله، فكانت دولة المرابطين من اعظم دول المغرب، ووحدت بلاد المسلمين بمبايعة الخليفة العباسي.
وقد تأسست دولة المرابطين على منهاج اهل المدينة اعتقادا وعملا، حتى إن أمراءها كيوسف بن تاشفين وابنه علي ما كانوا يخرجون عن كلام الفقهاء ومشورتهم، وفي عهدهم أحرق "إحياء علوم الدين" للغزالي لما فيه من علم الكلام والتصوف.
غير أن المرابطين بالغوا في الاهتمام بالفقه الفرعي حتى أهملوا السنن والآثار، فقام عليهم "الموحدون" على يد محمد بن تومرت المصمودي، واستتب الامر لتلميذه عبد المومن بن علي الكومي سنة 541، الذي وحد المغرب الاسلامي بأندلسه وصحرائه على منهاج ابن تومرت الذي جمع بين العقيدة الاشعرية وفكرة المهدوية، مع نبذ امراء الموحدين لمذهب مالك ودعوتهم للعمل بالسنن والآثار، وقد كان جل أمرائهم علماء معظمين للدين، فكانت النتيجة ترسخ العقيدة الاشعرية في الغرب الاسلامي، مع ازدهار الاجتهاد والاشتغال بالسنن والآثار.
وقد زالت هذه الدولة سنة 668، ولكن لم تزل العقيدة الاشعرية التي ترسخت ولم يعد يوجد ما يخالفها، لكن الدولة المرينية التي قامت بعدهم أعادت الحياة للمذهب المالكي، كما أن التصوف قوي في عهدهم وأصبح له نفوذ على الناس كبير.
والمرينيون كان العديد من أمرائهم علماء معظمين للدين، فلذلك ازدهر العلم في زمانهم، لكن منهاج أهل السنة بدأت تعلوه الغبار واستمر البعد عنه مع توالي السنين،
اللهم إلا من فتاوى عديدة تحارب كثيرا من البدع العملية التي دخلت للمجتمع وتسربت للدين.
وبعد انهيار المرينيين واحتلال النصارى للأندلس سنة 899 ثم احتلال السواحل المغربية، تطلع الناس لمن ينقذ البلاد من مصير كمصير الاندلس فظهرت الاسرة السعدية الشريفة وكان اعظم معاركها معركة وادي المخازن التي انتصر فيها المسلمون على الجيش البرتغالي الذي جاء لنصرة امير سعدي خائن ضد ابن اخيه المدعوم من قبل العثمانيين، فكان نصرا عظيما سنة 986 انهارت به دولة البرتغال وحررت اغلب الثغور المحتلة، وآل الملك لاحمد المنصور الذهبي، الذي كان عالما داهية وحد المغرب الاقصى وافريقية الغربية مع الصحراء الكبرى، وكان يعد نفسه خليفة المسلمين.
لكن بعد وفاة المنصور سنة 1012 انهار النظام في المغرب فأخذت الزوايا الصوفية السلطة في العديد من الاماكن، وكان وسط المغرب بما فيه مدينة فاس العاصمة آنذاك من نصيب الزاوية الدلائية التي أخرجت علماء فطاحلة اهتموا بالحديث الشريف مع بقية العلوم الشرعية والادبية.
ومن زعماء هذه الزاوية الذين ظهروا مدافعين عن السنة الامام محمد بن محمد المسناوي الدلائي المتوفى سنة 1136، فقد الف كتابه "نصرة القبض" أي وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، في وقت كانت هذه السنة مهجورة في سائر الديار المالكية، وكذلك الف "جهد المقل القاصر في نصرة الشيخ عبد القادر" ، أي الجيلاني الذي اتهمه بعضهم بالتجسيم لكونه كان سلفي العقيدة، فملأ الشيخ كتابه بالنقول عن أئمة السنة كشيخ الاسم ابن تيمية وغيره نصرة له وبينا لصحة اعتقاده.
وظهرت أيضا الزاوية الناصرية في وادي درعة جنوب المغرب، على يد الامام محمد بن ناصر الدرعي وأبنائه من بعده الذين نصروا العديد من السنن وحاربوا البدع، وألف الامام محمد بن عبد السلام الناصري كتابه "المزايا فيما حدث من البدع في أم الزوايا" .
ولما وحدت الولة العلوية الشريفة المغرب من جديد، ظهر فيها السلطان محمد بن عبد الله بن إسماعيل المتوفى سنة 1204، فقام بإصلاحات دينية هامة فقد كان عالما سلفي العقيدة يوقع عن نفسه؛ المالكي مذهبا الحنبلي عقيدة، وكان ينهى عن دراسة كتب الكلام وينصح بالعقيدة القيروانية السلفية. كما أنه حاول تجديد الفقه فنهى عن الاغراق في قراءة المختصرات مثل خليل وأمثاله ويحض على "الرسالة" لابن أبي زيد القيرواني و "التهذيب" للبراذعي.
ثم جاء بعده ولده الك العالم الصالح ابو الربيع سليمان (ت:1238) ، رحمه الله، وكان ناصري الطريقة فلذلك مال الى العمل بالسنة، اصدر مرسوما ملكيا ينهى عن المواسم التي تقام على اضرحة الصالحين وعن الكثير من البدع التي شوهت الدين، خاصة وقد اصبح للطرق الصوفية في عهده نفوذ عظيم حتى ان الواحد من مشايخها قد تفوت ساطته سلطة السلطان نفسه، مع ما حصل فيها من الانحراف الكبير عن السنة والتوحيد. فقاوموا دعوته وجلبوا له القلاقل والفتن.
وفي عهده دخل النجديون للحرمين الشريفين فأرسل وفدا يهنؤهم ويمدح دعوتهم الاصلاحية، كما ذكر ذلك احمد بن خالد الناصري في "الاستقصا" (123:8) .
وفي اواخر القرن الثالث عشر ظهرت الطريقة الكتانية على يد الشريف محمد بن عبد الواحد الكتاني الحسني (ت:1279) الذي سافر للحج والتقى بالامام محمد بن علي السنوسي الشهير صاحب جغبوب، وكان معروفا بالدعوة للعديد من السنن وان خالفت المذهب، فرجع الشيخ الكتاني داعية الى طريقته هذه وبثها في اهل بيته وتلاميذه، ثم طور حفيده الامام محمد بن عبد الكبير (ت:1327) طريقته، وله كتب عديدة ولابيه الامام عبد الكبير (ت:1333) ولاخيه الحافظ الشهير عبد الحي (ت:1384) جهود في نشر الحديث وترك التعصب المذهبي اذا صح الحديث والتمسك باعتقاد اهل الاثر والدعوة الى جهاد العدو المحتل.
ومن هذه المدرسة الداعية الى العديد من السنن مع التمسك بالتصوف الامام محمد بن جعفر الكتاني (ت:1345) الذي هاجر للحجاز ثم الشام ولقي علماء تلك البلاد وتتلمذوا على يديه، وهو صاحب "الرسالة المستطرفة" في بيان كتب السنة، و "نظم المتناثر" في الاحاديث المتواترة، وكتب كثيرة في الحديث.
وقد تأثر بهذه المدرسة تلاميذها من آل الصديق الغماريين، فكان في دعوتهم حدة فقد تمسكوا بالتصوف الغالي مع الدعوة الى الاجتهاد وترك التقليد حتى انهم جعلوه بدعة من البدع، وتأثروا بابن حزم وابن القيم والصنعاني والشوكاني وامثالهم، وكانوا في اغلبهم ضد العقيدة الاشعرية مع عقيدة تأخذ من السلفية شيئا ومن غيرها الى تشيع واضح، وإمامهم هو الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق، المحدث الشهير، المتوفى سنة 1382.
وطور دعوتهم شقيقهم محمد الزمزمي (ت:1407) الذي اعلن نبذه للتصوف وعده من البدع، وأسس جماعة "أنصار السنة" التي كان لها تأثير كبير على الدعوة الاسلامية السنية في شمال المغرب، وخاصة مدينة طنجة التي كانت الاسرة فيها. والشيخ الزمزمي وان لم يكن على محض السنة فقد كان أشعريا، ولكنه أحيا سننا كثيرة وأمات بدعا عديدة، ولذا فقد أصبح جل تلاميذه على السنة بعده مثل ابنه الشيخ صهيب (ت:1413) ومحمد الجردي وغيرهما من مشايخ طنجة.
ومن تلاميذ أحمد ابن الصديق الشيخ محمد بن الامين بو خبزة العمراني، حفظه الله، الذي تأثر بالشيخين الهلالي والألباني، وهو اليوم شيخ دعاة منهاج السلف في تطوان.
هذا وقد ظهر في أوائل القرن الرابع عشر عالم فاسي اسمه عبد الله بن إدريس السنوسي (ت:1350) رحل للمشرق بعد أخذه عن أئمة بلاده فتأثر بمدرسة أهل الحديث في الهند التي كان زعيمها السيد محمد نذير حسين الدهلوي، فعاد للمغرب معلنا منهجه السلفي عقيدة وفقها وسلوكا مع حدة وشدة في مهاجمة الجميع، فتألب عليه العلماء
وحماه السلطان عبد العزيز بن الحسن العلوي حتى بعد عزله عن الحكم. وقد استوطن الشيخ طنجة وتأثر العديد من الشباب بدعوته. ومن تلاميذه المشارقة المحدث القاضي أحمد محمد شاكر، رحم الله الجميع.
وظهر في نفس الوقت علامة آخر درس في الازهر وعاش في الحجاز وأم في الحرم المكي، وتأثر بالمدرسة المصرية التي بدأها محمد عبده وتلميذه رشيد رضا، وهو أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي (ت:1356) .
فلما عاد للمغرب قربه السلطان عبد الحفيظ وتولى وزارة العدل زمن الحماية، ونظرا لعلمه الكبير وفصاحته ودعوته الجديدة التي حارب بها غلاة الصوفية ونشر الحديث ودرس كتبه فقد انبهر به جيل الشباب فتبعه منهم خلق كبير، وإن كان الشيخ السنوسي أتبع للسنة وأفضل من الدكالي، ولكن الدكالي كان أكثر تأثيرا في الجيل الجديد.
وقد كان تلاميذ الدكالي قسمين، قسم دخل مع الدولة وتولى المناصب زمن الحماية الفرنسية، وقسم انضم للحركة الوطنية وجاهد الفرنسيين.
وأهم تلاميذ الدكالي ممن جمع بين المدرستين محمد بن العربي العلوي (ت:1384) ، فقد تأثر بالدكالي فترك التصوف وكان أشد من شيخه في مهاجمتهم، وتولى وزارة العدل بعد شيخه، لكنه عارض سياسة الفرنسيين فنفوه للصحراء وكان يفتي الوطنيين في بعض عملياتهم الجهادية. لكن كان عنده بعض الشذوذات المخالفة للسنة.
ومن تلاميذ الدكالي ممن كان مع السلطة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي، العلامة المحدث صاحب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الاسلامي" ، وكتب أخرى رد فيها على المبتدعة ودعاة التغريب، وكان وزيرا للمعارف. توفي سنة 1374.
ومنهم القاضي عبد الحفيظ الفاسي الفهري، المحدث الفقيه المؤرخ (ت:1383) وله مؤلفات كثيرة دعا فيها للمنهج السلفي وأرخ له في المغرب، وكان له علاقة بدعاته في المشرق مثل القاسمي والآلوسي. لكنه داهن المحتل.
ومن القسم الآخر رجال الحركة الوطنية التي كانت تعلن أنها سلفية، لكن بمعنى أنها مع التجديد ضد الجمود الذي كان سائدا في المغرب آنذاك، وبعضهم أمثل من بعض في ذلك، وأشهرهم علال الفاسي وإبراهيم بن أحمد بن جعفر الكتاني ومحمد المختار السوسي وغيرهم.
فهؤلاء جاهدوا وسجنوا ونفوا من ديارهم من أجل استقلال البلاد وخروج المحتل لكنهم لم يفعلوا نفس الشيئ لتحكم الشريعة الاسلامية بل قد تحول حزبهم حزب الاستقلال إلى حزب علماني على يد العديد من الشباب الذين تاثروا بالغرب وطريقته في الحياة، وهمشوا هؤلاء العلماء الفضلاء، عفا الله عنهم.
وأهم تلاميذ ابن العربي العلوي الذي ترك التصوف على يديه محمد تقي الدين الهلالي، الذي كان أول أمره تيجانيا متعصبا فنصحه الشيخ عبد الحي الكتاني بترك التصوف البدعي ثم بعد مناظرة له مع ابن العربي العلوي أعلن عن تركه للتصوف وأصبح من أشد أعدائه.
والشيخ الهلالي عالم موسوعي فإنه درس علوم الشرع في بلاده حتى تضلع منها ثم طاف الدنيا يبحث عن أهل الحديث ويدعو للسنة فاستقر في مصر وكان له علاقة وثيقة بالإخوان المسلمين وأنصار السنة، ودخل الحجاز زمن الهاشميين ثم زمن السعوديين، ودخل الهند وتتلمذ على المباركفوري شارح "سنن الترمذي" ودرس اللغة العربية فكان من تلاميذه السيد أبو الحسن الندوي، وغيره من مشاهير أهل الهند المعاصرين. ودخل العراق واستقر فيها فترة وقصد ألمانيا فأتقن لغتها وأخذ شهادة الدكتوراه منها، وكان
يتقن جملة من اللغات كالفرنسية والإنجليزية والعبرانية والفارسية، واتقر به المقام بعد طول تطواف وتدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، في مدينة مكناس المغربية.
وقد كان له تعاون من الحركة الوطنية المغربية لطرد المحتل الاأجنبي من البلاد، وتعاون دعوي مع الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله، مفتي الدولة السعودية، ومع الشيخ محمد الزمزمي بن الصديق الغماري في المغرب.
ونظرا لقوة خطابه ونشاطه الكبير وصدقه في دعوته فقد ترك تلاميذ كثرا، ومؤلفات عديدة، أهمها تفسيره لآيات التوحيد المسمى "سبيل الرشاد" ، في مجلدات عديدة وهو مطبوع بل جل مؤلفات الشيخ مطبوعة، وذلك الذي ساعده على نشر منهجه.
وقد كان تلاميذه طوائف، فمنهم من انضم إلى حركة الشبيبة الإسلامية المغربية، نثل الشيخ محمد زحل، وجماعة من مشايخ الدار البيضاء وغيرها، ومنهم من استمر في دعوته العامة.
وأهم تلاميذ الهلالي الذين تركوا أثرا واضحا في المغرب: محمد بن الحسن الفزازي (الأب) ، ومحمد بن عبد الرحمن المغراوي.
والأول من فاس والثاني من مراكش.
و قد أسس الفزازي مركزا في مسجده المسمى مسجد أبي بكر الصديق وكان يطوف المغرب داعيا للسنة، وهو عسكري برتبة نقيب ودرس على علماء القرويين، والمغراوي درس في المدينة المنورة في جامعتها، وأخذ الدكتوراه في التفسير وترك مؤلفات كثيرة، وأسس جمعية الدعوة للقرآن والسنة التي أسست دور القرآن في المغرب كله، كان لها أثر كبير في نشر التجويد ومنهاج السلف. وللشيخ علاقات وطيدة بمشايخ الخليج ودعم كبير منهم ساعده كثيرا على نشر دعوته.
ولما حدثت حرب الخليج الثانية سنة 1410 واستعانت السعودية بالقوات الأجنبية انقسم التيار السلفي تجاه ذلك لقسمين، معارض لذلك تزعمه الفزازي وموافق تزعمه العديد من للآخرين.
ثم زاد الشقاق بعد أحداث الجزائر ومصر سنة 1412 وتفجر نقاش حول عقيدة الإيمان عند أهل السنة والجماعة وكفر الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وحكم جهادهم والخروج عليهم، وما تلى ذلك من دعم المجاهدين في العالم.
وقد ظهر ابن الفزازي الشيخ محمد أبو عبد الحليم الذي لقي الهلالي أيضا. وقد توفي الهلالي سنة 1406، عن عمر كبير، رحمه الله تعالى.
كان ابن الفزازي زعيما في هذه الفترة ونصر بقوة الجهاد في الجزائر وناظر أصحاب المغراوي مناظرات قوية متعددة، وكتب العديد من المؤلفات ضد العلمانيين والمبتدعة وفي تحريم المشاركة في الانتخابات ودخول البرلمانات في الدول المعطلة الشريعة.
وتبادل الطائفتان الاتهامات بالإرجاء والخارجية وظهر على الساحة الشيخ عمر بن مسعود الحدوشي من تطوان والشيخ الشهيد محمد بن إبراهيم أبو النيت وكتبوا كتابات قوية في مناقشة جماعة المغراوي التي كانت تتبنى فكرة طاعة ولاة الأمر وتحريم الجهاد إلا بإذنهم.
وبعد أحداث 11 سبتمبر ظهر الشاب الشيخ أبو حفص محمد عبد الوهاب رفيقي الذي كان والده من تلاميذ الهلالي وخرج لنصرة المجاهدين الأفغان حتى عد شيخ المغاربة الأفغان وعرف بأبي حذيفة.
كان أبو حفص نشيطا في فاس يدرس في دار قرآن هناك وقد درس في الجامعة الإسلامية وفي كلية الشريعة بفاس حضر الماجستير في فقه المعاملات المالية، وقد فتن الشباب بشخصيته الشجاعة وخطبه الجمعية ودروسه التي تلامس هموم الناس.
وقد تسمى التيار المعارض ب "أهل السنة والجماعة" ، وتيار الموالاة ب "السلفيين" .
ولما كان المغرب سيدخل في الحلف الموالي لأمريكا بعد ضربة 11 سبتمبر، أصدر جماعة من علماء المغرب يتزعمهم الشيخ إدريس بن محمد بن جعفر الكتاني، فتوى بتحريم موالاة الكفار ضد المسلمين وأن ذلك يعد ردة في الإسلام. وقد شارك في التوقيع عليها جملة من علماء تيار المعارضة، فكان مصيرهم التوقيف من دروسهم ومساجدهم. ثم نفر كثير من شباب التيار للجهاد في أفغانستان ثم العراق، وصاحب ذلك أخطاء وتهورات من بعض الشباب الطائش وأعظم ذلك تفجيرات الدار البيضاء سنة 1423 المشبوهة التي لا يدرى من وراءها، فأعلنت الدولة الحرب الشعواء على تيار المعارضة واعتقلت الآلاف منهم بما فيهم المشايخ المعروفون الفزازي والحدوشي وأبو حفص وحسن بن علي الكتاني (كاتب هذه الورقة) ، وقتل تحت التعذيب محمد أبو النيت الدكتور صاحب المؤلفات القيمة، رحمه الله. وحكم على المآت من الشباب البرئ بالسجن الطويل وعذب الكثير منهم العذاب الأليم. و لقبتهم الدولة ب "السلفيين الجهاديين" .
ثم بعد سنوات التفتت الدولة لتيار الموالاة (المغراوي) فترصدت كلاما قديما للشيخ عن حكم الزواج بطفلة دون البلوغ فقررت إغلاق جميع دور القرآن السلفية في المغرب حتى التي لا علاقة لها بالمغراوي.
هذا وقد انقسم تيار المغراوي الى قسمين، قسم اتبع الشيخ ربيع المدخلي، والباقي بقي على ولائه للشيخ المغراوي.
اما تيار المدخلي المعروف باللولاء المطلق للحكام وتبديع العاملين للإسلام ومعتداتهم وهجرهم، وقد أشأوا مراكز لهم سميت ب "دار الحديث" . وأصبح لهم أتباع كثر، لأن الدولة تركتهم ولم تحاربهم كما فعلت مع الباقين.
وقد أدى هذا إلى تغير خطاب مدرسة المغراوي وتحول صراعها ممع العلمانيين ونقد سياستهم، فأصبحوا قريبين من خطاب مشايخ مصر السلفيين ومشايخ الصحوة في الجزيرة العربية، وأنشأوا جريدة نصف شهرية تسمى "السبيل" ، ونظموا أمورهم ضمن "تنسيقية دور القرآن" وظهر فيهم دعاة جدد مثل حماد القباج وعادل الرفوش وإبراهيم الطالب وغيرهم من الفضلاء الذين اقترب خطابهم وخطاب تيار المعارضة خاصة بعد الربيع العربي وخروج العديد من المعارضين من السجن وعلى رأسهم المشايخ الاربعة آنفي الذكر.
وقد نظم أتباع تيار المعارضة أنفسهم ضمن "اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الاسلاميين" ، التي يتزعمها الاخ أسامة أبو طاهر، وهي مقربة من بعض المشايخ المذكورين.
هذا وقد تغير خطاب بعض المشايخ المعارضين بعد خوجهم من السجن، فلم بعد لديهم مانع من المشاركة في الانتخابات وإنشاء أحزاب وخفت لهجتهم نحو المخالفين بل أنشأوا علاقات قوية معهم.
هذه صورة مختصرة عن الحالة السنية في المغرب، والله الموفق.
كتبه:
الحسن بن علي الشريف الكتاني
بالرباط 17 ذي الحجة سنة 1433